الشيخ محمد رشيد رضا

299

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مثل استدلاله بشهادة بطرس له بل أضعف . إذ معنى هذا الاقتطاف انه روي عن هذين الرجلين شيء يتفق مع بعض معاني هذا الإنجيل ، فإذا سلمنا ان هذا صحيح فهو لا يدل على أن هذا الإنجيل كان معروفا في زمنهما في القرن الثاني للمسيح لأنهما لم يذكراه ولم يعزوا اليه شيئا . ويجوز ان يكون ما اتفقا فيه من المعنى - ان صح ذلك ولم يكن كالاتفاق الذي ذكروه بينه وبين بطرس - مقتبسا من كتاب آخر كان متداولا في ذلك الزمان ، كما يجوز ان يكون مأخوذا من التقاليد الموروثة عند بعض شعوبه . مثال ذلك ان يوحنا انفرد باستعمال لفظ ( الكلمة ) والقول بألوهية الكلمة ، ولم يؤثر هذا عن غيره من مؤلفي الكتب المقدسة عندهم ، ولا عن أحد من تلاميذ المسيح . وقد بينا في تفسير ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) ان هذه العقيدة وهذا اللفظ مما أثر عن اليونان والبراهمة والبوذيين وقدماء المصريين ، وبحث فيها أيضا ( فيلو ) الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح . فإذا فرضنا ان ( اغناطيوس ) استعمل هذا اللفظ وذكر هذه العقيدة في القرن الثاني ، لا يكون هذا دليلا على نقلها عن يوحنا وعلى أن إنجيل يوحنا ورسالته ورؤياه كانت معروفة في القرن الثاني ، لاحتمال ان يكون نقل ذلك عن الأمم الوثنية التي كانت تدين بهذه العقيدة قبل يوحنا وقبل المسيح عليه السّلام . وإذا كان الاتفاق بينهما في المعنى الذي انفرد به يوحنا عن غيره لا يدل على ما ذكر فكيف يدل عليه الاتفاق في المعاني الأخرى التي لم ينفرد بها يوحنا ؟ فتبين من هذا النقد الوجيز ان ما ذكره بوست وسماه كغيره شهادة لإنجيل يوحنا ليس شهادة ، وان سميناه شهادة فلا مندوحة لنا عن القول بأنها شهادة زور . واما زعمهم ان كتابة هذا الإنجيل توافق سيرة يوحنا ولا يقدر عليه غيره ، فهو تمويه نقضوه بقولهم انه هو لا يقدر عليه أيضا الا بالالهام ، إذ كل ملهم يقدر بإقدار اللّه الذي الهمه ، وليس ليوحنا عندهم سيرة تثبت أو تنفي بقي استدلاله الأخير على صحة هذا الإنجيل بأنه لو لم يكن من قلم يوحنا لكان الكاتب له على جانب عظيم من المكر والغش ! قال : « وهذا الامر يعسر تصديقه لان الذي بقصد ان يغش العالم لا يكون روحيا » الخ ! فنقول إن هذا الاستدلال ينبئ بسذاجة من اخترعه ونقله وغرارتهم ، وان شئت قلت بغباوتهم أو قصدهم مخادعة الناس .